محمد خليل المرادي

65

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وولده محمد باشا والعساكر الشامية . وحصل القتال معهم ثلاثة أيام . ثم في ليلة الجمعة رابع عشر صفر المزبور ذهب عثمان باشا فارّا مع ولده محمد باشا . وصبيحة الجمعة ورد مكتوب من أبي الذهب لعلماء دمشق وأعيانها يطلبهم لمواجهته في ذلك اليوم كل من العلامة علي بن صادق الطاغستاني ، مدرّس الحديث تحت القبة ، والمولى أسعد بن خليل الصديقي أحد الرؤساء بدمشق الشريف ، ومحمد بن أحمد العاني ، أحد المدرسين بالجامع الأموي . وحين وصلوا عنده طلب منهم تسليم دمشق ، وأنه لا بدّ له من أخذها على أية حالة وتوعّدهم إن خالفوه أنه يحرقها ويأسر جميع أهلها . فأمهلوه بالجواب إلى يوم السبت حتى يجتمعوا ويشاوروا أهل دمشق من الأعيان والعلماء والأوجاقات . ففي تلك الليلة ليلة السبت هربت الأعيان وعثمان باشا وولده ورئيس اليرلية « 1 » يوسف آغا بن جبري ، ولم يبق في دمشق مقاتل . واستولى على الناس الخوف والفزع والقلق ، وغصّ الجامع الأموي بأهالي القرى . فإنهم نزلوا جميعا بأهلهم وأمتعتهم ومواشيهم إليه . وكان ذهاب الفارين إلى بلدة حماة . ففي صبيحة يوم السبت هاجت الضعفاء بدمشق ، وذهبوا إلى العلماء حيث لم يجدوا من يدافع عنهم ، وتوسّلوا بهم أن يواجهوا المترجم ويسلموه الشام ويدفعوا عنهم غائلته . فخرج لملاقاته كل من العلّامة علي الطاغستاني المار ذكره ، ومفتي الشافعية بدمشق السيد محمد شريف بن الشمس محمد الغزي العامري ، وخطيب الجامع الأموي المولى سليمان بن أحمد المحاسني ، والعلّامة خليل بن عبد السلام الكاملي . فلاقوا العساكر عند قرية القدم متوجهة لدمشق لأجل القتال ، فطلبوا منهم المهلة حتى يواجهوا أبا الذهب . فلما دخلوا عليه قابلهم بغاية الإكرام . فأخبروه بأنه لم يبق في الشام مقاتل . وقالوا له : إن البلد لمولانا السلطان مصطفى خان ، فتسلمها أنت واحقن دماء المسلمين وكفّ عن أموالهم . وكان رئيس جند القول « 2 » مصطفى آغا المطرجي ، لما فرّ أعيان دمشق وكافلها وصار ما تقدم ، أغلق باب القلعة الدمشقية وحاصر ، فسألهم أبو الذهب المترجم عن القلعة فأخبروه بما وقع ، وطلبوا منه أن يخرج لهم من ينادي في شوارع دمشق بالأمان ورفع القتال ، ففعل ذلك . ثم رفع القتال عن أهل دمشق ، وصار عسكره ينزل إليها ولا يتعرضون لأحد من أهلها بأذى . « 3 »

--> ( 1 ) يعني الانكشارية . ( 2 ) وهم : القبوقول ، من الفرق العسكرية العثمانية في دمشق . ( 3 ) * سلك الدرر - ج 1 .